محمد عبد الله دراز

354

دستور الأخلاق في القرآن

يدعم ، ويفخم المسؤولية المقررة من قبل « 1 » . فهل نجد ما يقابل ذلك في الإسلام ؟ . وهل يمكن الحدث الموضوعي الخالص أن يستتبع العقوبة ؟ . لا شك أنّ الحكم العقابي - كما رأينا من قبل يحتاج دائما أن يستند إلى عمل الإرادة المضاد للقانون ، كيما يسوغ صفته الجزائية . ولكن هل لنا أن نفحص الأمر بنظرة أكثر دقة ؟ حينئذ سنجد أنّ القاضي عندما يستند إلى العنصر الشّخصي باعتباره شرطا ضروريا للإدانة فإنّه لا يفعل في الواقع سوى أن يفترض سوء النّيّة لدى المتهم ، مستنبطا إياه من بعض الإمارات الخارجية ، ومتخذا لنفسه دائما وجهة نظر موضوعية ، ذلك أنّ القاضي ، حتّى لو كان رسولا ، لا يدعي مطلقا أنّه يدرك أسرار الضّمير مباشرة ، وهذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إنّما أنا بشر ، وإنّكم تختصمون إليّ ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي نحو ما أسمع ، فمن قضيت له بحقّ أخيه شيئا فلا يأخذه ، فإنّما

--> ( 1 ) لنذكر هنا فقط أنّه في مجال الجزاء الإلهي يبدو أنّ الأخلاق الإسلامية تفرق هنا بين الفعل الحسن ، والفعل القبيح ، فعلى حين يزيد تنفيذ الإرادة الطّيبة في أجرها ، ويضاعف لها المكافأة ، نجد أنّ تخطي الخطيئة لا تعدان عند اللّه سوى وجهين لعمل واحد فقط ، قال تعالى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ الأنعام : 160 . وروى البخاري : 7 / 187 « فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها اللّه له عنده حسنة كاملة ، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه » . وانظر أيضا في تفسير هذا الحديث - إحياء علوم الدّين - للغزالي : 3 / 39 وما بعدها ، الكافي : 2 / 272 ح 17 ، تفسير القرطبي : 1 / 484 ، صحيح مسلم : 1 / 117 ح 128 ، صحيح ابن حبان : 14 / 45 ، تفسير ابن كثير : 1 / 153 ، المصنّف لابن أبي شيبة : 7 / 334 ، المعجم الأوسط : 4 / 345 ح 4390 ، مسند أحمد : 3 / 148 ح 12527 ، بحار الأنوار : 70 / 331 ح 14 ، مسند الشّاميين : 1 / 87 ، مسند أبي يعلى : 6 / 218 ، المعجم الكبير : 4 / 206 ح 4152 ، فتح الباري : 7 / 216 ، شرح النّووي على صحيح مسلم : 2 / 151 ، الدّيباج : 1 / 145 ح 130 ، عدة الدّاعي لابن فهد الحلي : 198 .